عادل عبد الرحمن البدري

47

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

ولعلّ ما كتبه علي ( ع ) من خلاصة تجربة وفكر سياسي عميق في كتابه إلى الأشتر النخعي لمّا ولّاه مصر أخصب مجال للبحث والتنظير السياسي ، وقد وفق السيّد عبد المحسن فضل الله في إدراك جوانب من هذا الكتاب الكامل فألّف نظرية الحكم والإدارة في عهد الإمام علي ( ع ) للأشتر مقدّماً كتابه « 1 » بالقول : أذهلني عندما قرأته فكررته مراراً ، ولم يزدني تأمّله إلّا يقيناً بأنّه عهد وإن بعد زمنه ، قد استبق الزمن في تخطيطه وشمولية تقنينه ، إذ لم يدع جانباً ممّا يلزم أن يتلبس به رجل الدولة لإصلاحها وضمان استمرار بقائها ، إلّا خطّ له ما يعتمده ويهتدي به جهابذة مقنني القرن العشرين . فأخذتني الحيرة ، هل أنقل نصّه كما وعدت ، فلا يقف على مرامه إلّا من رزق فهماً وعلماً أم أعربه بما أحاطت به معرفتي ، لعلّني أصل به لغايته ، وذلك لا يسعه المقام فاعتمدت أخيراً ، أن أحمل أهم مضامينه الشرح الموجز تعجيلا للفائدة علّه يسعد التوفيق « 2 » وله الحقّ فيما يقول فالوقوف على الأفكار السياسية التي قدّمها رائد الفكر السياسي وربيب المصطفى ( ص ) ووارث علمه ليس بالأمر السهل ، كما أنّ الإحاطة بها وتمثّلها لا يتمّ إلّا بعد مطالعة واستقصاء للنصوص التي قالها هنا وهناك ، ومنها هذا العهد الذي يقول فيه : هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه ، حين ولّاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوّها واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها . أمره بتقوى الله ، وإيثار طاعته ، واتّباع ما أمر به في كتابه « 3 » : من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلّا باتّباعها ، ولا يشقى إلّا مع جحودها وإضاعتها ، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنّه جلّ اسمه ، قد تكفّل بنصر من نصره ، وإعزاز من أعزّه . وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات « 4 » ، فإنّ النفس أمّارة بالسوء إلّا ما رحم الله .

--> ( 1 ) طبعت دار المعارف للمطبوعات في بيروت هذا الكتاب ونشرته عام 1979 م . ( 2 ) نظرية الحكم والإدارة في عهد الإمام علي ( عليه السلام ) للأشتر ص 17 . ( 3 ) رقم الكتاب 53 من ط الصالح ص 426 . ( 4 ) الجموح : الذي يركب هواه فلا يمكن ردّه . والوزع : كفّ النفس عن هواها . لسان العرب ( جمح ) و ( وزع ) .